فضائيات| مكتبة الدريم بوكس | مركز رفع الصور | فضائيات نيوز
تعليم الفوتوشوب





العودة   الإبداع الفضائي > >

المواضيع الإسلامية قسم يهتم بالدين الإسلامي على منهج أهل السنة والجماعة ويمنع إهانة بقية المذاهب

خدمة الآخرين.. تضحية الكبار

 
LinkBack أدوات الموضوع
  #1  
عضو نشيط

 

افتراضي خدمة الآخرين.. تضحية الكبار


الفرد المسلم يؤمن بأنه ليس وحيدًا في هذا الكون، بل حوله آخرون يختلط بهم، ويتفاعل معهم، ويتجاوب مع الأحداث الواقعة سلبًا وإيجابًا؛ يستفيد من الآخرين ويُفيدهم، ويتبادلون فيما بينهم الخدمات والمصالح.



والمسلم الحقيقي هو الذي يُبادر إلى نفع المحيطين به، وعرض خدماته عليهم، وتقديم قدراته وإمكاناته ليضعها بين أيديهم، راجيًا خدمتهم ومساعدتهم.



واليوم.. نلاحظ وللأسف الشديد طاقات متعددة وجوانب من الخير في نفوس كثيرٍ من الناس، ولكنها كامنة غير مستغلَّة؛ فكم من عالمٍ فقيه يحوي بين صدره علمًا نافعًا ولكنه حبيس صدره لا ينتفع به مَن يرافقه! وكم من عابدٍ زاهدٍ يجاوره فاسق لم ينتفع بصلاحه ولا بورعه! وكم متعلم مثقف لا ينتفع بعلمه مَن خالطه!



لماذا خدمة الآخرين من أخلاق الكبار؟

لأن خدمة الآخرين تعني تكبُّد التعب والمشقة من أجل راحة الآخرين، وإدخال السرور عليهم، ولأن خدمة الآخرين تعني في بعض الأحيان التضحية بالمال أو الوقت أو الجهد من أجل قضاء مصالح الغير، ولأن خدمة الآخرين عمل تطوعي لا يطلب عليه الفاعل أجرًا، إنما يحتسب ذلك كله عند الله تعالى:



نُصح الآخرين ودعوتهم:

والكبار يعتبرون هداية الناس وتعليمهم أمورَ دينهم تأتي في مقدمة الخدمات التي من الممكن أن يقدموها لهم، قبل الخدمات الدنيوية والمصالح الحياتية؛ ذلك أن النفعَ في الدين من أعظمِ المنافع في الدنيا والآخرة؛ فحين دخل أبو ذر الإسلام كانت وصيةَ الرسول- صلى الله عليه وسلم- له هو النصح لقومه، وجعل ذلك من أعظمِ النفع لهم: "فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغٌ عَنِّي قَوْمَكَ؛ عَسَى اللهُ أَنْ يَنْفَعَهُمْ بِكَ وَيَأْجُرَكَ فِيهِمْ" (صحيح مسلم: ح رقم 4520).



عجبًا.. إن البعض اليوم يُحجمون عن عملٍ ما يُحقق لهم نفعًا أكيدًا إذا ما تبيَّن لهم أن آخرين سينتفعون به، ورغم أن هذا العمل لن يجلب عليهم ضررًا إلا أنهم يمتنعون عن تنفيذه، ويقتصرون في أعمالهم على تلك التي تحقِّق مصالحهم الشخصية وذواتهم فقط دون غيرهم، وإن كانت قليلة النفع، المهم عندهم ألا يستفيد منهم أحد دون مقابل.



أما الكبار فهم أناس يُبادرون إلى فعل الأعمال التي يمتد نفعها إلى الآخرين، يروى أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ خَلِيفَةَ سَاقَ خَلِيجًا لَهُ مِنْ الْعُرَيْضِ فَأَرَادَ أَنْ يَمُرَّ بِهِ فِي أَرْضِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، فَأَبَى مُحَمَّدٌ، فَقَالَ لَهُ الضَّحَّاكُ: "لِمَ تَمْنَعُنِي وَهُوَ لَكَ مَنْفَعَةٌ؛ تَشْرَبُ بِهِ أَوَّلاً وَآخِرًا وَلا يَضُرُّكَ؟!"، فَأَبَى مُحَمَّدٌ فَكَلَّمَ فِيهِ الضَّحَّاكُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَدَعَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ فَأَمَرَهُ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَهُ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ: "لا"، فَقَالَ عُمَرُ: "لِمَ تَمْنَعُ أَخَاكَ مَا يَنْفَعُهُ وَهُوَ لَكَ نَافِعٌ؛ تَسْقِي بِهِ أَوَّلاً وَآخِرًا وَهُوَ لا يَضُرُّكَ؟!" فَقَالَ مُحَمَّدٌ: "لا وَاللهِ"، فَقَالَ عُمَرُ: "وَاللهِ.. لَيَمُرَّنَّ بِهِ وَلَوْ عَلَى بَطْنِكَ"، فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَمُرَّ به فَفَعَلَ الضَّحَّاكُ" (موطأ مالك: ح رقم 1236).



يعرضون خدماتهم:

الكبار يسعون إلى تقديم خدماتهم إلى الآخرين ممن يحتاجون إليهم، دون الانتظار إلى طلبهم، مقتدين بذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يسعى إلى العباس ليعرض خدماته عليه، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس بن عبد المطلب: "يا عباس يا عماه.. ألا أعطيك؟! ألا أمنحك؟! ألا أحبوك؟!" (صحيح، أورده الألباني في صحيح سنن ابن ماجه: ح رقم 1139).



وهكذا كان يعرض النبي صلى الله عليه وسلم خدماته دون أن يُطلب منه، وهناك صحابي جليل يُدعى أبا برزة جاء النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يا رسول الله.. علمني شيئًا ينفعني الله تبارك وتعالى به، قال له: "انظر ما يؤذي الناس فاعزله عن طريقهم" (مسند أحمد: ح رقم 18952).



وهكذا يكون هذا الخلق العظيم من أخلاقيات الفئة؛ فهم الأقرب إلى الناس، والأسرع ائتلافًا معهم؛ وما ذلك إلا لأن الإسلام تجسَّد في كيانهم فنتج من ذلك كل خير وبِر.



نفع أولي القربى:

الكبار يُولون أُولي القربى أهمية خاصة في تحقيق النفع لهم، وعرض الخدمات عليهم؛ لأن في ذلك صلة للرحم، وكسبًا لقلوبهم، ووفاءً لهم، ورحمة بهم، خاصةً إذا كان هؤلاء ليس عندهم من يقوم بخدمتهم، ويسعى على مصالحهم، كالأرامل والأيتام ونحوهم.



ونفع أُولي القربى يُعتبر أكثر وجوبًا في حق القادرين على نفعهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفضل الدنانير: دينار ينفقه الرجل على عياله، ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله، ودينار ينفقه الرجل على أصحابه في سبيل الله عز و جل" (صحيح، أورده الألباني في صحيح الجامع: ح رقم 1103).



مفاتيح الخير:

الكبار يسعون دائمًا إلى أن يكونوا ممن يفتحون أبواب الرزق أمام العاطلين فيفيدون ويستفيدون، فيُحركون في الناس قدراتهم المعطَّلة، وثرواتهم المكنوزة، ويجمعون طاقاتهم المهدرة؛ مما يعود بالنفع على المسلمين جميعًا.



فالكبار لا يحتكرون صنعة، ولا يحتكرون سلعة؛ فإن كانوا لا يستطيعون الانتفاع بها نفعوا بها غيرهم، وأعطَوا الفرصة لمن كانت عنده المقدرة، وكيف يُبقون ما عندهم دون فائدة ولديهم إخوان لا يعملون؛ وذلك من أعظم صور النفع للآخرين، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، فَإِنْ لَمْ يَزْرَعْهَا فَلْيُزْرِعْهَا أَخَاهُ" (صحيح مسلم: ح رقم 2862، وأورده الألباني في صحيح الجامع: ح رقم 6513).



وبهذا يُصبح الكبار مفاتيحَ لكل خير بجلبهم وسيلة للرزق وكسب العيش، جاء في الحديث: "إن من الناس ناسًا مفاتيح للخير مغاليق للشر، وإن من الناس ناسًا مفاتيح للشر مغاليق للخير؛ فطوبى لمَن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمَن جعل الله مفاتيح الشر على يديه" (صحيح، أورده الألباني في صحيح الجامع: ح رقم 2223).



روح التعاون:

الكبار يُقدمون أُنموذجًا عمليًّا في التعاون والترابط الذي يجب أن يسود المجتمع المسلم؛ فهم لا يألون جهدًا في جلب خيرٍ إلى مسلم، أو دفع أذى عنه، ولِمَ لا وقد ربَّاهم الشرع على هذه المعاني العظيمة فجعل سعي المسلم على حاجة أخيه خير له من الاعتكاف في المسجد النبوي عشر سنين؟! عن ابن عباس أنه كان معتكفًا في مسجد رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، فأتاه رجل فسلم عليه، ثم جلس فقال له ابن عباس: "يا فلان.. أراك كئيبًا حزينًا"، قال: نعم يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لِفلانٍ عليَّ حق، لا وحرمة صاحب هذا القبر ما أقدر عليه، قال ابن عباس: "أفلا أكلمه فيك؟!"، قال: إن أحببت، قال: فانتقل ابن عباس ثم خرج من المسجد، فقال له الرجل: أنسيت ما كنت فيه؟! قال: "لا.. ولكني سمعتُ صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم- والعهد به قريب فدمعت عيناه- وهو يقول: "منَ مشى في حاجةِ أخيه وبلغ فيها كان خيرًا من اعتكاف عشر سنين، ومَن اعتكف يومًا ابتغاءَ وجه الله تعالى جعل الله بينه وبين النار ثلاث خنادق أبعد ما بين الخافقين" (شعب الإيمان للبيهقي: ح رقم 3805).



محبة الله:

الكبار يسعون دائمًا إلى الفوز بمحبة الله لهم، وقربهم منه، ومن أوسع الأبواب التي تزيده حبًّا لهم، وقربًا منهم سعيهم الحثيث إلى خدمة الناس وقضاء وحوائجهم، خرَّج البيهقي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي- صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- قال: "خُلُقان يحبهما الله، وخُلُقان يبغضهما الله، فأما اللذان يحبهما الله فالسخاء والسماحة، وأما اللذان يبغضهما الله تعالى، فسوء الخلق والبخل، وإذا أراد الله بعبد خيرًا استعمله على قضاء حوائج الناس" (شعب الإيمان للبيهقي: ح رقم 7396).



للباحثين عن الجنة:

والكبار كعادتهم تدفعهم الإيجابية والذاتية إلى السؤال عن الأعمال التي تقربهم من الجنة، وتُبعدهم عن النار كما فعل الصحابي الجليل الذي جاء النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن عملٍ ينتفع به، فأرشده إلى عملٍ فيه منفعة للناس جاء في الحديث عن أبي برزة قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ.. عَلِّمْنِي شَيْئًا أَنْتَفِعُ بِهِ، قَالَ: "اعْزِلْ الأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ" (صحيح مسلم: ح رقم 4747).



درجة رفيعة:

كم هي كثيرة تلك السلبية التي انتشرت بين الناس! فكم من مرفق يحتاج إلى عناية مرتاديه وزوَّاره كي يصبح مركزًا مشعًّا يخدم الآخرين بطريقة تليق بآدميتهم! وكم هي المصاعب التي يواجهها الناس في غدوِّهم ورواحهم لوجود شيء مؤذٍ أو مخيف في الطرقات دون أن يتحرك أحد لإزالته! وكم هي عديدة وكثيرة المظاهر التي تؤذي المسلمين ولا يتحرك أحدهم لرفعها عنهم.



والكبار أصحاب النفوس الكبيرة هم الذين يُبادرون إلى فعل ذلك، ولا يترددون للحظة في فعل شيءٍ يخفِّف عن العامة، فيجلب لهم نفعًا أو يدفع عنهم ضرًّا؛ طمعًا في المنزلة العظيمة التي جعلها الله تعالى لمن كان في خدمة المسلمين، جاء في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلاً يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ" (صحيح مسلم: ح رقم 4745).



إعانة الملهوف:

أصحاب البلايا والمصائب في حياتنا العصرية ما أكثرهم! كم من مستغيثٍ يصرخ بأعلى صوته: "أغيثوني.. أنقذوني.. ساعدوني" فيسمعه القريب ويتلقى أخباره البعيد، دون أن تتحرك دوافع النخوة في نفسه كي يساعده في رفع الظلم الذي وقع عليه، أو يُواسيه بكلمةٍ تُعينه على تجاوز محنته، أو يُقدم له دعمًا يُعبر به كربه.



والكبار يستجيبون لنداء الشرع، فيُسارعون إلى نجدة الملهوف المحتاج، ويعملون على رفع الظلم الواقع عليه إن كان مظلومًا، ويواسونه في مصابه إن كان مصابًا، ويضعون إمكاناتهم كلها بين أيديه إن كان محتاجًا، جاء في الحديث عَنْ النَّبِيِّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ"، فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ.. فَمَنْ لَمْ يَجِدْ، قَالَ: "يَعْمَلُ بِيَدِهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ"، قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، قَالَ: "يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ"، قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، قَالَ: "فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ وَلْيُمْسِكْ عَنْ الشَّرِّ فَإِنَّهَا لَهُ صَدَقَة" (صحيح البخاري: ح رقم 1353).



وإمعانًا من الشرع في حرصه على تحقيق منفعة الخير للناس أن جعل إمساك الشر عنهم صدقةً لصاحبها، رغم أن الإحسان إلى الغير وكف الشر عنه مطلوب شرعًا وموصى به.



خير الناس وشر الناس:

أفرزت الحياة المادية التي يحياها الناس اليوم نوعًا من فقدان الثقة بين الناس، فأصبح الإنسان يساوره الشك في كل من حوله، ويتوقع منه الغدر والخيانة في أي وقت كان، ويستبعد كل البعد أن يحدث له خير من مقرب أو صديق، وإذا ما خاب ظنه وتحققت له مصلحة من قريب أو صديق ظن أنه لسبب وأن هناك دافعًا يُرجى من تقديم هذه المصلحة، وأصابته الحيرة والقلق حتى تتضح له الرؤيا كاملة.



وأذى الخَلْق يُحذِّر منه الشرع، وينهى عنها الدين؛ لذا فالكبار هم الذين يقدمون الخير لمن حولهم، فإن عجزوا عن تقديمه لهم كفوا عنهم شرورهم، جاء في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ عَلَى نَاسٍ جُلُوسٍ فَقَالَ: "أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِكُمْ مِنْ شَرِّكُمْ" فَسَكَتَ الْقَوْمُ، فَأَعَادَهَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ :"خَيْرُكُمْ مَنْ يُرْجَى خَيْرُهُ وَيُؤْمَنُ شَرُّهُ، وَشَرُّكُمْ مَنْ لا يُرْجَى خَيْرُهُ ولا يُؤْمَنُ شَرُّهُ" (مسند أحمد: ح رقم 8456).



دوافع الكبار:

للكبار دوافعهم الخاصة التي تجعلهم يُقدِّمون خدماتهم بنفس راضية، وقلوب مطمئنة إلى ما عند الله من الأجر والثواب، وقواعد ينطلون منها لخدمة الناس- كل الناس- ومن هذه القواعد قوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ" (صحيح مسلم: ح رقم 4677).



وقوله صلى الله عليه وسلم: "ومن فرَّج عن مسلم كربة فرَّج الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة" (صحيح مسلم: ح رقم 4677).



وقوله صلى الله عليه وسلم:"مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيه" (صحيح مسلم: ح رقم 4867).



النعم مرهونة:

النعم مرهونةٌ بشكر أصحابها؛ فمن أنعم الله عليه بوظيفة يستطيع أن يخدم بها الآخرين فلا بد له من أن يجتهد لخدمتهم، وتسهيل مصالحهم؛ فالبعض من صغار النفوس يجعلون من مراكزهم الوظيفية وسيلةً للكسب غير المشروع، فيُعقِّدون الأمور ويُصعِّبونها حتى يُجبروا الطرف الآخر على الرضوخ لمطالبهم، واستغلالهم في أشياء شخصية، أو دفعهم إلى تقديم رشوة، على عكس الكبار تمامًا الذين يُسارعون إلى خدمة مراجعيهم في أعمالهم الوظيفية، ويُسهِّلون لهم مصالحهم، ويُنهون إجراءاتهم بسهولة ويسر؛ لأنهم علموا أن ما هم فيه من عملٍ إنما هو نعمة من الله توشك أن تزول إن لم يؤدوا شكرها، "ما من عبدٍ أنعم الله عليه نعمة فأسبغها عليه، ثم جعل شيئًا من حوائج الناس إليه فتبرَّم؛ فقد عرض تلك النعمة للزوال" (رواه الطبراني في المعجم الأوسط: ح رقم 7742).



والكبار يهربون ويفرون من أن تلحقهم دعوة النبي صلى الله عليه وسلم على من ولاَّه الله وظيفة أو مسئولية ثم هو يشق بها على الناس ويُجهدهم؛ فقد جاء في صحيح مسلم قوله صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ" (صحيح مسلم: ح رقم 3407).



والكبار لا يتهربون من خدمة الناس، ولا يمتنعون عنهم، أو يحتجبون عن أداء مصالحهم، جاء في الحديث: "مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ شَيْئًا فَاحْتَجَبَ عَنْ أُولِي الضَّعَفَةِ وَالْحَاجَةِ احْتَجَبَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (مسند أحمد: ح رقم 21061).



خطر عظيم:

والكبار يخشون الله، ويبتعدون عن عقابه، ويعتبرون أنفسهم وما حباهم من وظيفة أو مسئولية إنما هي محض عطاء من الله، وهبة قد وهبهم الله إياها لينظر كيف يعملون فيها، فيعتبرون أنفسهم وسيلة مُسخَّرة لخدمة الآخرين من خلال وظائفهم وأعمالهم، حتى إنهم ليبادرون إلى خدمة الناس تطوُّعًا؛ فلا يوصدون أبوابهم في وجوه الناس أبدًا مهما كانت الظروف، رويَ أن عمرو بن مُرة قال لمعاوية: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من إمام يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة والمسكنة إلا أغلق الله أبواب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته" (رواه الترمذي وقال: حسن غريب، وصححه الألباني في جامع الترمذي: ح رقم 1332)، فجعل معاوية رجلاً على حوائج الناس.



الموظف للوظيفة:

والموظف أيًّا كانت وظيفته؛ من رئيس الدولة إلى أبسط رجل فيها، إنما يتقاضى أجرًا على عمله ووظيفته؛ بمعنى أنه مُكلَّف شرعًا وعرفًا بأداء خدمات مؤسسته إلى العامة، سواءٌ كانت مؤسسة إدارية أو فنية، وهو مسئول أمام ربه عمن استرعاه الله عليهم "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ؛ فَالإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" (صحيح البخاري: ح رقم 2232، وأورده الألباني في صحي الجامع: ح رقم 4569).



فالبعض من الموظفين قد يتبرَّمون من تقديم خدماتهم إلى مراجعيهم في المؤسسات التي يعملون بها، وقد يشقون عليهم، ويكبدونهم العناء والمشقة.



ومع أن ذلك مسئولية يُحاسب عليها العبد، إلا أنه من الممكن أن يجعلها العبد وسيلةً لمضاعفة الحسنات بتعديد النوايا عند تقديم خدماته وهو مأجور عليها بإذن الله، بالإضافة إلى أن الله تعالى سيكون في حاجته يقضيها له إذا ما قُضيت على يديه حوائج الناس كما جاء في الحديث: "مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ" (صحيح مسلم: ح رقم 4677، وأورده الألباني في صحيح الجامع: ح رقم 6707).



أحب الناس:

الذين تجري على أيديهم حوائج الناس ومصالحهم هم أحب الناس إلى الله، بل إن من خير الأعمال التي يقوم بها العبد هي تلك الأعمال التي يتعدَّى نفعها الشخصَ نفسه إلى الآخرين، فيسعدهم بها ويُدخل السرور عليهم، جاء في الحديث أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله.. أي الناس أحب إلى الله، وأي الأعمال أحب إلى الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرورٌ تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دَيْنًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولئن أمشي مع أخٍ لي في حاجة أحبُّ إليَّ من أن أعتكف في هذا المسجد شهرًا في مسجد المدينة" (رواه الطبراني في المعجم الصغير: ح رقم 862).



وجاء أيضًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز و جل سرورٌ تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دَيْنًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحبُّ إليَّ من أن أعتكف في المسجد شهرًا، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظًا ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضًا يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له أثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام، وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل" (حسن، أورده الألباني في صحيح الجامع عن بن عمر: ح رقم 176).



ومن كان سببًا في إدخال السرور على أحد من المسلمين لم يَرْضَ الله له ثوابًا إلا الجنة، جاء في الحديث "من أدخل على أهل بيتٍ من المسلمين سرورًا لم يَرْضَ الله له ثوابًا دون الجنة" (رواه الطبراني في المعجم الأوسط: ح رقم 7732).



شرف خاص:

والكبار يسارعون في قضاء حوائج الناس، بل ويحبون خدمتهم، ويسعدون بإدخال السرور عليهم، ويسعَون إلى نيل هذا الشرف العظيم، وهو أن يختصهم الله دون غيرهم بقضاء حوائج الناس، والتسهيل عليهم، ومساعدتهم والتخفيف عنهم.



جاء في الحديث- والذي يجب أن يضعه كل مسلمٍ أمام مكتبه في وظيفته، بل وكل مَن ولي من أمر المسلمين ولاية صغير كانت أم كبيرة- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ للهِ عَبَّادًا اخْتَصَّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ، يُقِرُّهُمْ فِيهَا مَا بَذَلُوهَا، فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا مِنْهُمْ، فَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ" (رواه الطبراني في المعجم الكبير: ح رقم 805).



الشفاعة:

والشفاعة مشروعة، وجائزة شرعًا، بل وعلى كل من يستطيع أن يشفع لعبد مؤمن في أي مكان ليساعده ويجلب له منفعة أن يبادر إلى ذلك، شريطة ألا يُجير على حقوق الآخرين أو يُهدر حظوظ المستحقين لها، وألا يتقاضى مالاً على شفاعته، يقول الله تعالى ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ (النساء: من الآية 85)، وكما أن الإنسان يناله نصيب من الخير الذي يشفع فيه، فإن هناك تحذيرًا ربانيًّا من أن يتوسط أحد لأذية أحد من المؤمنين، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ (النساء: من الآية 85).
وكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ أَوْ طُلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ قَالَ: "اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاء" (صحيح البخاري: ح رقم (342)، وأورده الألباني في صحيح الجامع: ح رقم 1007).



درجات ثلاث:

قَالَ الْمُنَاوِيُّ عَنْ الْغَزَالِيِّ: "وَقَضَاءُ حَوَائِجِ النَّاسِ لَهُ فَضْلٌ عَظِيمٌ، وَالْعَبْدُ فِي حُقُوقِ الْخَلْقِ لَهُ ثَلاثُ دَرَجَاتٍ:






الأُولَى: أَنْ يُنَزَّلَ فِي حَقِّهِمْ مَنْزِلَةَ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَهُوَ أَنْ يَسْعَى فِي أَغْرَاضِهِمْ رِفْقًا بِهِمْ وَإِدْخَالَ السُّرُورِ عَلَى قُلُوبِهِمْ.



الثَّانِيَةُ: أَنْ يُنَزَّلَ مَنْزِلَةَ الْبَهَائِمِ وَالْجَمَادَاتِ فِي حَقِّهِمْ؛ فَلا يُنِيلُهُمْ خَيْرَهُ، وَلَكِنْ يَكُفّ عَنْهُمْ شَرَّهُ.



الثَّالِثَةُ: أَنْ يُنَزَّلَ مَنْزِلَةَ الْعَقَارِبِ وَالْحَيَّاتِ؛ لا يُرْجَى خَيْرُهُ وَيُتَّقَى شَرُّهُ.



فَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ أَنْ تَلْحَقَ بِأُفُقِ الْمَلائِكَةِ فَاحْذَرْ أَنْ تَنْزِلَ عَنْ دَرَجَةِ الْجَمَادَاتِ إلَى دَرَجَةِ الْعَقَارِبِ وَالْحَيَّاتِ؛ فَإِنْ رَضِيت النُّزُولَ مِنْ أَعْلَى عِلِّيِّينَ فَلا تَرْضَ بِالرِّضَا فِي أَسْفَلِ السَّافِلِينَ؛ فَلَعَلَّك تَنْجُو كِفَافًا؛ لا لك وَلا عَلَيْك" (*).

---------

مقالات ممكن أن تعجبك :



من مواضيعى في فضائيات فرض الصلوات الخمس
عودة موسى عليه السلام لمصر.. عبر وعظات
لماذا كان الحج عرفة
فتور الدعاة.. اعرف عدوك
المسلم بين أخذ حقه أو العفو عمن ظلمه
صفات أحب الناس إلى الله
صناعة الدعوة
غض البصر يورث حلاوة الإيمان

خدمة الآخرين.. تضحية الكبار


أدوات الموضوع



الساعة معتمدة بتوقيت جرينتش +3 . الساعة الآن » 10:42.
Powered by vBulletin
.Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd

تابعنا على الفيس بوك جديد مواضيع المنتدى تابعنا على تويتر Google+‎
أضغط اعجبنى ليصلك جديدنا على الفيس بوك