فضائيات| مكتبة الدريم بوكس | مركز رفع الصور | فضائيات نيوز
تعليم الفوتوشوب





العودة   الإبداع الفضائي > >

المواضيع الإسلامية قسم يهتم بالدين الإسلامي على منهج أهل السنة والجماعة ويمنع إهانة بقية المذاهب

غزوة الأحزاب دلائل وعبر ومعجزات

 
LinkBack أدوات الموضوع
  #1  
عضو نشيط

 

افتراضي غزوة الأحزاب دلائل وعبر ومعجزات


دأب أهل الكفر في كلِّ زمن وحين على تحين الفرص للانقضاض على الأمة ومحاولة ردها عن الإسلام..قال تعالى: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ﴾ (البقرة: 217) نعم أنه سبب كافٍ من الأسباب التي تدفع الأعداء للنيل من هذه الأمة أنه علة وسبب متجدد بتجدد الزمان والمكان عبر العصور فما يمر بالأمة زمن أو عصر حتى تعلن قوى الظلم والطغيان عن نفسها تتداعى على هذه الأمة لا من ضعفٍ ألمَّ بهذه الأمة، وإنما هو استضعاف أراده لها حكامها وولاة أمورها ترضية لأهل البغي والإرهاب وإثارًا لمصالح نفعية ذاتية ورغم ما تمتلكه الأمة من عوامل النصر وأسبابه إلا أن أعداءها دأبوا دائمًا على إضعاف الأمة بكل الوسائل الممكنة فتعددت الوسائل والهدف واحد من تفتيت الأمة لدويلات وزرع أسباب الفرقة بين تلك الدويلات التي صنعها الاستعمار.



بعد غزوة أحد عم الحزن أرجاء المدينة لما حدث ولفقد الأهل والأحبة وخيم السكون على الجزيرة العربية، ولم يكن ذلك السكون إلا إرهاصات لحدثٍ قريبٍ ودلالات لبداية تدبير وتآمرٍ جديدٍ من قِبل أهل البهتان في كل عهد وزمان اليهود فهم لن يهنأ لهم بال ولا يقر لهم قرار حتى يكون معقل الإسلام تحت أيديهم..﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (البروج: من الآية 10)، لا سيما وأن اليهود قد رأوا انتصار المشركين يوم أحد فظنوا أن ذلك يمكن أن يتكرر لذا حاول بنو النضير الذين خرجوا إلى خيبر أن يثأروا لأنفسهم لعلهم يعودوا إلى ديارهم فخرج منهم عشرون رجلاً من زعماء اليهود وسادات بني النضير فجعلوا يتصلون بقريش والقبائل الأخرى للثأر لأنفسهم والطمع في العودة إلى ديارهم وأملاكهم في المدينة فتوجَّه وفد منهم إلى مكة، على رأسهم: سلام بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب وكنانة بن أبي الحقيق من بني النضير، وهوذة بن قيس وأبو عمار من بني وائل فحرضوا قريشًا إلى حرب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ووعدوهم بالقتال معهم، وادعوا بأن دينهم خير من دين محمد- صلى الله عليه وسلم-، فهم أولى بالحق من المسلمين، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً (51)﴾ (النساء).



نجح الوفد اليهودي في كسب ثقة قريش ثم غادر الوفد مكة متجهًا صوب القبائل، وانتخبوا من بينهم كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق متحدثًا بلسانهم مع زعيم قبيلة غطفان عيينة بن حصن الفزاري.



ظل الوفد اليهودي المحرض يساوم قبيلة غطفان يستميلونهم ويحرضونهم على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عارضين عليهم الانضمام إلى التحالف القرشي اليهودي على أن يكون لهم نصف ثمر خيبر حال مشاركتهم في التحالف، وكانت نتيجة ذلك أن استجاب عيينة بن حصن وانضم إلى التحالف ثم كتب المشركون إلى حلفائهم من بني أسد، فأقبل إليهم طلحة بن خويلد منضمًا إلى تحالف قوى البغي والطغيان.



وما إن انتهى يهود من خطتهم تشكل التحالف وتداعت الجموع وأقبل الشر بخيله ورجله من كلِّ صوبٍ فخرج من الجنوب قريش وكنانة وأهل تهامة بقيادة أبي سفيان بن حرب في أربعة آلاف رجل ولحق بهم بنو سليم بمر الظهران، ومن الشرق خرجت قبائل غطفان بنو فزارة بقيادة عيينة بن حصن وبنو مرة بقيادة الحارث بن عوف وبنو أشجع بقيادة مسعر بن رخيلة، كما خرجت بنو أسد فصاروا في جيشٍ عرمرم قُدّر بعشرة آلاف، بينما كان المسلمون ثلاثة آلاف.



التقت قوى التحالف قوى البغي والعدوان في مرِّ الزهران، ومنها انطلقت إلى المدينة، فنزلت قريش ومَن سار معها بمجتمع الأسيال من رومة، بين الجُرُف وغابة، ونزلت غطفان بذنب نقمي إلى جانب أحد، ونزل معهم بنو أسد.



الأوضاع في المدينة

بلغ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ما تُدبره يهود وقريش من استعداء القبائل والتحالف الذي ضمَّ قريش واليهود وجل قبائل العرب، فجعل صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه في هذا الشأن ماذا يفعلون تجاه هذه القوى، وهذا التحالف الذي هو بمقاييس المادة لا تستطيع أن تصمد أمامه المدينة، ولكن لا بد من الأخذ بالأسباب فإذا كان الإيمان أهم عوامل النصر فإن الأخذ بالأسباب أمر مهم وجلل في تلك الظروف.



استشار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أصحابه فجيش التحالف يزيد على عشرة آلاف مقاتل، وهذا العدد يفوق تعداد المدينة من أطفال ونساء وشيوخ وشباب.



كانت المدينة مكشوفةً من جهة، أما من الجهات الأخرى فكان يُحيط بها بساتين وأشجار وأبنية ومرتفعات صخرية يصعب على الإبل والفرسان تخطيها، فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر الخندق في المنطقة الوحيدة المكشوفة أمام الغزاة، أما الجهات الأخرى فكانت كالحصن.



أسرع المسلمون في حفر الخندق وكان طوله خمسة آلاف ذراع، وعرضه تسعة أذرع، وعمقه من سبعة أذرع إلى عشرة، وكان على كلِّ عشرةٍ من المسلمين حفر أربعين ذراعًا، وقد تراوحت مدة الحفر ما بين ستة أيامٍ وأربعة وعشرين يومًا..فعند ابن عقبة استغرق قريبًا من عشرين ليلة.






كانوا في جوعٍ شديدٍ وبرد زمهرير، فطعامهم قليل من الشعير يُخلط بدهنٍ متغير الرائحة لقدمه، ويُطبخ فيأكلونه على الرغم من بشاعةِ طعمه ورائحته المنتنة؛ وذلك لشدة جوعهم..حتى هذا الطعام قد لا يجدونه أحيانًا فيأكلون التمر، وأحيانًا لا يجدون لا هذا ولا ذاك لمدة ثلاثة أيامٍ متتالية، حتى كان أحدهم يعصب على بطنه حجرًا من شدة الجوع، وكان النبي- صلى الله عليه وسلم- يعصب بطنه بحجرين من شدةِ الجوع.



وشارك جميع المسلمين في الحفر، وشاركهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فكان يحمل التراب حتى اغبَّر بطنه وغطَّى التراب جلده، وكان الصحابة يستعينون به في تفتيت الصخور الصلدة التي تعترضهم ويعجزون عنها، فيفتتها لهم، ويردد معهم الأرجاز لتقويةِ الهمة وبثِّ العزيمة، فيقول:

اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا

فأنزلنْ سكينةً علينا وثبِّت الأقدامَ إنْ لاقينا

إن الأُلى قد بغوا علينا وإنْ أرادوا فتنةً أبينا



وكان يمد بها صوته بآخرها، ويرتجز المسلمون وهم يعملون:

نحن الذين بايعوا محمدًا على الإسلام ما بقينا أبدا

فيجيبهم بقوله: اللهم إنه لا خيرَ إلا خير الآخرة، فبارك في الأنصار والمهاجرة.



تحالف البغى والطغيان يحاصر المدينة

أحاط جيش التحالف بالمدينة ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ (الأحزاب: من الآية 10)؛ وذلك من الجهة المكشوفة التي تُمثل منطقة ضعف، أما تلك الجهات الأخرى فهي جهات تتميز بوجود البساتين والأشجار والمرتفعات الصخرية التي يصعب على قوى التحالف اقتحامها، لذا ضرب الحصار على الجهة المكشوفة.



وانقسم أهل المدينة إلى قسمين: قسمٌ آمن بوعد الله ووعد رسوله وصدق وتيقن في نصر الله، وهؤلاء يُسجِّل لهم القرآن مكرمتهم.. فيقول تبارك وتعالى:﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22)﴾ (الأحزاب).



وأما أهل النفاق ضعفاء النفوس فقد ازدادوا ضعفًا ونقوصًا ودبَّ في قلوبهم الخوف والفزع وتزعزعت قلوبهم لرؤية جموع قوى التحالف وعدتهم، وهنا يُسجِّل لهم القرآن هذه النقيصة والمذلة والضعف والهوان والخزلان، فيقول تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا (12)﴾ (الأحزاب).



بل زاد على نقوصهم أنهم قالوا: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط.



واستأذن بعض بني حارثة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في الذهاب إلى المدينة هربًا من الجهاد ومواجهة الأعداء: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا﴾ (الأحزاب: من الآية 13).



خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في ثلاثةِ آلاف من المسلمين، فتحصَّن بالجبل من خلفه- جبل سلع- وبالخندق أمامه، وأمر بالنساء والذراري فجعلوا في آطام المدينة، واشتغل النبي- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه بمجابهة العدو وحفر الخندق حتى فاتت المسلمين بعض الصلوات.



روى البخاري ومسلم أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- جاء يوم الخندق فجعل يسبُّ كفار قريش، فقال: يا رسول الله! ما كدتُ أن أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: "والله ما صليت"، وكان نتيجة ذلك أن النبي- صلى الله عليه وسلم- دعا عليهم: "ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارًا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس".



نقض بني قريظة العهد

انطلق حُيي بن أخطب إلى بني قريظة، فلما دنا من حصنهم أبى كعب بن أسد القرظي أن يفتح له فلم يزل في إلحاحٍ عليه حتى استجابَ له ففتح فلمَّا أن دخل الحصن قال: جئتك بعزِّ الدهر، جئتك بقريش وغطفان وأسد، على قادتها لحرب محمد. قال كعب: بل جئتني والله بذل الدهر جئتني بجهامٍ قد أراق ماءه، فهو يرعد ويبرق ليس فيه شيء.



فلم يزل يحاوره ويجادله حتى انضمَّ إلى التحالف فنقض العهد الذي بينه وبين رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، وشرط كعب على حُيي أنهم إن لم يظفروا بمحمدٍ أن يجيء حتى يدخل معهم في حصنهم فيصيبه ما يصيبهم فقبل ذلك ووفَّى له.



وبلغ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الخبر فبعث سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة وخوات بن جبير وعبد الله بن رواحة ليتعرفوا الخبر، فلما دنوا معهم وجدوهم على أخبث ما يكون، وجاهروهم بالسبِّ، ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم.



ولمَّا تيقن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من غدر بني قريظة تقنَّع بثوبه واضطجع ومكث طويلاً حتى اشتدَّ على الناس البلاء ثم نهض يقول: "الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين بفتح الله ونصره".



كثُرت جموع الشرك وأعلن النفاق عن وجهه ونقض يهود قريظة العهد، وتكمن خطورة ذلك في موقعهم الإستراتيجي الذي يُتيح لهم تسديد ضربة غادرة للمسلمين من الخلف؛ حيث كانت ديارهم في العوالي، إلى الجنوب الشرقي للمدينة على وادي مهزور، وهذا هو مكمن الخطر فاشتدَّ الكرب بالمسلمين والأحزاب تسمع أصواتهم يختالون بقوتهم ويتباهون بتحالفهم، وقد وصف الله- عزَّ وجل- تلك الساعات العصيبة التي مرت بالمسلمين، فقال تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا (11)﴾ (الأحزاب).



سعى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لتفريق جمع التحالف فأراد أن يصالح غطفان على ثلث ثمار المدينة حتى يخرجوا من التحالف، واستشار في ذلك سعد بن معاذ وسعد بن عبادة- رضي الله عنهما- في الأمر، فقالا: يا رسول الله؛ إن كان الله أمرك بهذا فسمعًا لله وطاعةً، وإن كان شيء تصنعه لنا فلا حاجةَ لنا فيه، لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعًا، فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له، وأعزنا بك تُعطيهم أموالنا؟ والله لا نُعطيهم إلا السيف. فصوب رأيهما وقال: "إنما هو شيء أصنعه لكم، لما رأيت العرب قد رمتكم عن قوسٍ واحدة".



تهافت قوى التحالف

رغم أنه لم يحدث قتالٌ بسبب الخندق إلا من بعض المناوشات والتراشقات بالنبل، قُتل في هذه المناوشات ثلاثة من المشركين واستشهد ستة من المسلمين منهم سعد بن معاذ، الذي أُصيب في أكحله- عرق في وسط الذراع- رماه حبان بن العرِقة، وقد نُصبت له خيمة في المسجد ليعوده الرسول- صلى الله عليه وسلم- من قريب، ثم مات بعد غزوة بني قريظة، حين انتقض جرحه وكانت تقوم على تمريضه رفيدة الأسلمية.



وحدث أن بعض فرسان قريش- منهم عمرو بن عبد ود- اتجهوا صوب الخندق، فلما وقفوا عليه قالوا: إن هذه مكيدة ما كانت العرب تعرفها، ثم تيمموا مكانًا ضيقًا منه وجالت بهم خيلهم في السبخة ودعوا إلى البراز، فانتدب لعمرو: علي بن أبي طالب، فبارزه فقتله علي.



طال الحصار المضروب على المدينة واشتدَّ الجوع، ولكن في المعسكر الآخر معسكر الكفر والطغيان بدأ التحالف ينهار رويدًا رويدًا، وتداعت قواهم حتى نفد صبرهم وبدأت بوادر الخلاف تدب في صفوفهم كدأب كل أنظمةِ الظلم والطغيان في كلِّ عصر وحين، فصنع الله أمرًا من عنده، إذْ إن رجلاً من غطفان (نعيم بن مسعود) جاء إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: "قد أسلمت، فمر بي بما شئت". فقال: "إنما أنت رجل واحد. فخذل عنَّا ما استطعت، فإن الحرب خدعة" فذهب إلى بني قريظة- وكان عشيرًا لهم- فدخل عليهم وهم لا يعلمون بإسلامه. فقال: "إنكم قد حاربتم محمدًا وإن قريشًا إن أصابوا فرصةً انتهزوها، وإلا انشمروا" قالوا: فما العمل؟ قال: "لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن". فقالوا: قد أشرت بالرأي. ثم مضى إلى قريش فقال: "هل تعلمون ودي لكم ونصحي؟ قالوا: نعم. قال: إن اليهود قد ندموا على ما كان منهم وإنهم قد أرسلوا إلى محمدٍ أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه ثم يمالئونه عليكم فإن سألوكم فلا تعطوهم، ثم ذهب إلى غطفان، فقال لهم مثل ذلك".



فلما كانت ليلة السبت من شوال بعثوا إلى يهود إنا لسنا معكم بأرض مقام، وقد هلك الكراع والخف، فاغدوا بنا إلى محمدٍ حتى نناجزه فأرسلوا إليهم إن اليوم يوم السبت وقد علمتم ما أصاب من قبلنا حين أحدثوا فيه، ومع هذا فلا نقاتل معكم حتى تبعثوا لنا رهائن. فلما جاءهم رسلهم قالوا: قد صدقكم والله نعيم، فبعثوا إليهم إنا والله لا نبعث إليكم أحدًا، فقالت قريظة: قد صدقكم والله نعيم، فتخاذل الفريقان.



الفرج بعد الشدة

ولما أراد الله تبارك وتعالى كشف الغمة وتفريج الكربة خذل العدو وهزم جموعهم وفل قوتهم، فساق نعيم بن مسعود للتفريق بينهم والنبي- صلى الله عليه وسلم- يتضرع إلى الله: "اللهم منزل الكتاب سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم" فاستجاب الله الدعاء، وأرسل جنودًا من الريح قلبت قدورهم، وانهكت قوتهم وهدمت خيامهم ودفنت رحالهم، فلا تدع لهم قدرًا إلا كفأتها، ولا طنبًا ولا وتدًا إلا قلعته، وألقى في قلوبهم الرعب وجندًا من الملائكة يزلزلون بهم ويلقون في قلوبهم الرعب، كما قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9)﴾ (الأحزاب).



عبر ومعجزات

- في استشارة الرسول- صلى الله عليه وسلم أصحابه تقرير وتأكيد عملي على مبدأ الشورى الذي أرساه الإسلام.. ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: من الآية 38) ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (آل عمران: من الآية 159)، وقد تمَّ تطبيق هذا المبدأ بصورةٍ عمليةٍ في واقعتين في هذه الغزوة المباركة ألا وهما حفر الخندق والتفاوض مع بني غطفان، وهكذا تظل مبادئ الإسلام مبادئ عملية قابلة للتنفيد في كل زمانٍ ومكانٍ، وليست مبادئ نظرية لا تقبل التنفيذ.



- نزول القائد على رأي أحد الجند إذا كان صوابًا، فلا تعالٍ ولا كبر، فالكل سواسية فلا فرق بين رأي جندي ورأي حاكم أو قائد، وقد حدث هذا عندما نزل الجميع على رأي حفر الخندق الذي أشار به سلمان الفارسي.



- في حفر الخندق استعداد وتنفيد لأمرٍ إلهي ألا وهو: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ (الأنفال: من الآية 60) فلا ارتكان إلى كون الأمة مسلمة مؤمنة، وأن نصر الله آتٍ، فلا بد من الأخذ بأسباب القوة والنصر وإعداد العدة لمجابهة الأعداء في أي عصرٍ وحين فلا تواكل بل توكل.



- استشارة الرسول- صلى الله عليه وسلم- للسعدين بخصوص بني غطفان هذا ليس دليلاً على التنازل عن الأرض للأعداء، وإنما يجب أن نلتزم بما قاله وفعله رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، أما إن حدث في ظرفٍ ما فلا بد وأن تُعقد النية على استرجاع ما اقتطع من أرض الإسلام آجلاً أو عاجلاً.



- مشاركة الرسول- صلى الله عليه وسلم- في حفر الخندق بنفسه حتى غطى التراب وجهه ومشاركته في تفتيت الصلب من الصخور لهو مثال للحاكم والقائد القدوة الذي يشارك جنده في كل شأن صغُر أم كبُر يشاركهم التعب والجهد والنصب لا أن يجلس في قصور مشيدة يأمر وينهى، بل وسط الجند مطلع على شئونهم وأحوالهم فإذا جاعوا كان أجوعهم وإن عطشوا كان أعطشهم، فبينما كان الصحابي يتضور جوعًا ويكشف عن حجرٍ ربطه على بطنه لمقاومة شدة الجوع كشف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن حجرين ربطهما على بطنه، ثم ها هو جابر بن عبد الله يصنع طعامًا لا يكفي سوى اثنين يريد أن يخص به رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، لكن كيف يتصرف الرسول؟ كيف يتصرف القائد القدوة؟ أنه يدعو جميع الحضور وكانوا يزيدون عن الألف ليأكلوا من طعامٍ لا يكاد يكفي سوى اثنين، أنها القدوة في القيادة.



- موقف السعدين عندما استشارهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في التصالح مع غطفان مقابل نصف ثمار المدينة، فماذا كان ردهما؟.. "يا رسول الله؛ إن كان الله أمرك بهذا فسمعًا لله وطاعة، وإن كان شيء تصنعه لنا فلا حاجةَ لنا فيه، لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعًا، فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له، وأعزنا بك تعطيهم أموالنا؟ والله لا نعطيهم إلا السيف" فصوب رأيهما وقال: "إنما هو شيء أصنعه لكم، لما رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة"، وفي رواية أخرى قال السعدين: "لا والله ما أعطينا الدنية من أنفسنا في الجاهلية فكيف وقد جاء الله بالإسلام".. وفي رواية الطبراني أنهما قالاً: "يا رسول الله: أوحي من السماء فالتسليم لأمر الله، أو عن رأيك أو هواك؟ فرأينا تبع هواك ورأيك، فإن كنت إنما تريد الإبقاء علينا، فوالله لقد رأيتنا وإياهم على سواء ما ينالون منا ثمرة إلا شراء أو قرى".. فقطع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- المفاوضة مع الأعراب الذين كان يمثلهم الحارث الغطفاني، قائد بني مرة.



إنه اختبار لسيدَي أهل المدينة سيدَي الأوس والخزرج، ومثال للثبات على المبدأ وقوة الإيمان وسلامة العقيدة وحسن الظن بالله، فلا تفاوض مع هؤلاء، ولا تنازل لهم على شيء ليس من حقهم، ثم انظر إلى قولهما: "إنْ كان الله أمرك بهذا فسمعًا لله وطاعة، وإن كان شيء تصنعه لنا فلا حاجةَ لنا فيه".. نعم إنه السمع والطاعة لله ولرسوله وإنه إيثارٌ للآخرة على الدنيا.



بعض دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم

- يذهب جابر بن عبد الله ليصنع طعامًا لرسول الله، لكن كل ما يملكه يصنع طعامًا لا يكفي إلا لاثنين يريد أن يخص به رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لكن يأبى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلا أن يأكل من الطعام كل من هو موجود، وكانوا ألفا فيأكلون ويشبعون ويتبقى من برمة الطعام فيأكل أهل جابر ويهدوا لغيرهم منه معجزة من معجزاته صلى الله عليه وسلم.



- إخباره لعمار بن ياسر بأنه سوف تقتله الفئة الباغية، وقد حدث ذلك حيث قتل عمار في صفين وكان في جيش علي.



- إخباره وتبشيره للأمة بفتوحات مستقبلية ستحدث في المستقبل وتفتيت الصخور الصلدة.. قال البراء: "لما كان يوم الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ منها المعاول، فاشتكينا ذلك لرسول الله- صلى الله عليه وسلم-، فجاء وأخذ المعول فقال: "بسم الله، ثم ضرب ضربة، وقال: الله كبر، أُعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأنظر إلى قصورها الحمر الساعة، ثم ضرب الثانية فقطع آخر، فقال: الله كبر، أُعطيت فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الآن، ثم ضرب الثالثة فقال: بسم الله فقطع بقية الحجر، فقال: الله أكبر أُعطيت مفاتح اليمن، والله إني لأبصر صنعاء من مكاني"، وقد تحققت كل هذه البشريات.



- معجزة الريح؛ حيث روى مسلم من حديث حذيفة بن اليمان قال حذيفة: لقد رأيتنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ليلة الأحزاب، وأخذتنا ريح شديدة وقر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا رجل يأتني بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة"، فسكتنا فلم يجبه منا أحد... (ردد ذلك ثلاثًا) ثم قال: "قم يا حذيفة فأتنا بخبر القوم"، فلم أجد بُدًا إذْ دعاني باسمي أن أقوم. قال: "اذهب فأتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي".. فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام، حتى أتيتهم، فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره بالنار، فوضعتُ سهمًا في كبد القوس، فأردتُ أن أرميه، فتذكرت قول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "ولا تذعرهم علي"، ولو رميته لأصبته، فرجعتُ، وأنا أمشي في مثل الحمام. فلما أتيته فأخبرته بخبر القوم وفرغت، فألبسني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من فضل عباءة كانت عليه يُصلي فيها. فلم أزل نائمًا حتى أصبحتُ فقال: "قم يا نومان".



وانتهت هذه الغزوة نهاية سعيدة.. قال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (25)﴾ (الأحزاب)، وقال الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم"، فالذي حدث بعد أنه لم تتجرأ أو تُفكِّر قوى البغي والعدوان في غزو المدينة مرةً أخرى.

---------

مقالات ممكن أن تعجبك :



من مواضيعى في فضائيات لماذا أنا مسلم؟
فتور الدعاة.. اعرف عدوك
الصلاة معراج الأمة نحو الفلاح والتقدم
من أوجه المناسبة بين سورتي آل عمران وسورة النساء
أثر العبادات في تهذيب النفوس
الموت ولادة فلا تخف
من أخلاقنا الجميلة: الأمانة
نظرات في آيات

غزوة الأحزاب دلائل وعبر ومعجزات


أدوات الموضوع



الساعة معتمدة بتوقيت جرينتش +3 . الساعة الآن » 08:53.
Powered by vBulletin
.Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd

تابعنا على الفيس بوك جديد مواضيع المنتدى تابعنا على تويتر Google+‎
أضغط اعجبنى ليصلك جديدنا على الفيس بوك