فضائيات| مكتبة الدريم بوكس | مركز رفع الصور | فضائيات نيوز
تعليم الفوتوشوب





العودة   الإبداع الفضائي > >

المواضيع الإسلامية قسم يهتم بالدين الإسلامي على منهج أهل السنة والجماعة ويمنع إهانة بقية المذاهب

اليتيم المبعوث رحمة للعالمين

 
LinkBack أدوات الموضوع
  #1  
عضو نشيط

 

افتراضي اليتيم المبعوث رحمة للعالمين


هنالك في مكة البلد الحرام الآمن، وبين أبوين فقيرين إلا من الطهارة والنقاء، نجم طفل لم يكن ليدري أحد أن آمال الدنيا تعلقت به، وأن سعادة البشرية تتطلع إليه.. وإذا كان في أهل الفراسة من رأى فيه من دلائل العظمة النفسية، وقوة الخُلق ما يعده لعمل عظيم، ويجعل له شأنًا جليلاً، فإن أحدًا من هؤلاء لم يستطع أن يدرك أن هذا الطفل على إقلاله سوف يطوي سلطان دولتين عظيمتين تحت لواء أمة بدوية، ليس لها نصيب من علم، ولا حظ من حضارة، وكل حظها من ذلك، هو ما رسمه لها محمد صلى الله عليه وسلم من الطريق إلى الدنيا وإلى الدين معًا.



نبذة عن ولادته ورضاعته

لقد ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل، ولما وضعته أمه أرسلت إلى جده، فأتاه ونظر إليه وحدثته أمه آمنة بما رأت حين حملت به وما قيل لها فيه وما أمرت به أن تسميه، فأخذه فدخل به الكعبة، فقام يدعو الله ويشكر له ما أعطاه، وكان مما أنشده:

الحمد لله الذي أعطاني هذا الغلام الطيب الأردان

قد ساد في المهد على الغلمان أعيذه بالبيت ذي الأركان

حتى يكون بلغة الفتيان حتى أراه بالغ البنيان

أعيذه من كل ذي شنآن من حاسد مضطرب العنان



ويقول حسان بن ثابت: والله إني لغلام يفعة ابن سبع سنين أو ثمان، أعقل كل ما سمعت، إذ سمعت يهوديًّا يصرخ بأعلى صوته على أطمه بيثرب: يا معشر يهود! حتى إذا اجتمعوا إليه، قالوا له: ويلك ما لك؟! قال: طلع الليلة نجم أحمد الذي ولد به(1).



ولكونه يتيمًا زهدت فيه المراضع، وتبين مرضعته حليمة السعدية السبب فتقول: وذلك أنا إنما كنا نرجو المعروف من أبي الصبي، فكنا نقول: يتيم وما عسى أن تصنع أمه وجده؟ فكنا نكرهه لذلك فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعًا غيري، فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعًا، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه، قال: لا عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة.



قالت: فذهبت إليه فأخذته، وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره.



ثم تواصل الحديث فتقول: فلما أخذته، رجعت به إلى رحلي فلما وضعته في حجري، أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روي، وشرب معه أخوه حتى روي ثم ناما، وما كنا ننام معه قبل ذلك، وقام زوجي إلى شارفنا تلك، فإذا إنها لحافل، فحلب منها ما شرب، وشربت معه حتى انتهينا ريًّا وشبعًا، فبتنا بخير ليلة.



قالت: يقول صاحبي حين أصبحنا، تعلمي والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة، قالت: قلت: والله إني لأرجو ذلك. قالت: ثم خرجنا وركبت أتاني وحملته عليها معي، فوالله لقطعت بالركب ما يقدر عليها شيء من حمرهم، حتى إن صواحبي ليقلن لي: يا ابنة أبي ذؤيب، ويحك اربعي علينا، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها، فأقول لهن: بلى والله، إنها لهي هي. فيقلن: والله إن لها لشأنًا.



قالت: ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد، وما أعلم أرضًا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح عليّ حين قدمنا به معنا شباعًا لبنًا، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن، ولا يجدها في ضرع حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب فتروح أغنامهم جياعًا ما تبض بقطرة لبن، وتروح غنمي شباعًا لبنًا، فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتان وفصلته، وكان يشب شبابًا لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلامًا جفرًا..(2).



هذا قبس من إرهاصات النبوة، لنا معها وقفة تفكر وتأمل، ننفذ من خلالها للقراء ببعض الدروس النافعة والعبر الدافعة للصعود في مراقي الإيمان العالية.



1- النبي رحمة للطفولة المعذبة:

هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ينشأ يتيمًا ويذوق آلام اليتم وشدائد الحرمان من حنان الوالدين حتى يكون رحمة للطفولة المعذبة من اليتم فيعطف القلوب عليهم، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى (8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)﴾ (الضحى)



ويمتثل الرسول صلى الله عليه وسلم للأمر الإلهي فيكون رحمة لليتامى ويحض أمته على ذلك. فعن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا" وقال بإصبعيه السبابة والوسطى (4).



قال ابن بطال: حق على من سمع هذا الحديث أن يعمل به ليكون رفيق النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، ولا منزلة في الآخرة أفضل من ذلك. وقال ابن حجر وفيه إشارة إلى أن بين درجة النبي صلى الله عليه وسلم وكافل اليتيم قدر تفاوت ما بين السبابة والوسطى. ويحتمل أن يكون المراد المنزلة حالة دخول الجنة لما أخرجه أبو يعلى من حديث أبي هريرة رفعه: "أنا أول من يفتح باب الجنة، فإذا امرأة تبادرني أي لتدخل معي أو تدخل في أثري"، ويحتمل أن يكون المراد مجموع الأمرين: سرعة الدخول، وعلو المنزلة. وقيل: لعل الحكمة في كون كافل اليتيم يشبه في دخول الجنة أو شبهت منزلته في الجنة بالقرب من النبي أو منزلة النبي لكون النبي شأنه أن يبعث إلى قوم لا يعقلون أمر دينهم فيكون كافلاً لهم ومعلمًا ومرشدًا، وكذلك كافل اليتيم يقوم بكفالة من لا يعقل أمر دينه بل ولا دنياه، ويرشده ويعلمه ويحسن أدبه، فظهرت مناسبة ذلك (5).



والمسلم حين يلتفت يمنة ويسرة يرى القتل ينزل بالمسلمين مخلفًا وراءه آلاف اليتامي والأرامل يصيحون بكل مسلم من يشري صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم في جنة عرضها السموات والأرض، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر... من يشري ذلك بكفالة يتيم؟ وإنها لفرصة طيبة أن نزف البشرى ونقول: هنيئًا لهؤلاء الذين رقت أفئدتهم ولانت قلوبهم بمسح آلام اليتامى بما يقومون به من خلال مشروع كافل اليتيم، ويحضون الناس على الخير ويفتحون لهم أبواب الجنة والطريق لصحبة الرسول صلى الله عليه وسلم في الجنة.



2- ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها:

تحدثنا السيدة حليمة بأنها ما إن حازت الرسول صلى الله عليه وسلم ووضعته في حجرها حتى امتلأ ثدياها باللبن وناقتها كذلك، وما إن عادت به إلى ديارها حتى عم الخير بيتها فقويت أتانها وسمنت أغنامها، وأدرت ألبانها وكان ذلك كله كما تحدث هي: في سنة شهباء، لم تبق لنا شيئًا فخرجت على أتان لي، معنا شارف لا والله ما تبض بقطرة..." إنها ترسم صورة حية للحالة الاقتصادية التي كانوا عليها والجدب الذي كانوا يعيشونه، ثم تبين أن ذلك تحول في لحظة إلى رخاء دون مقدمات مادية أو أسباب كونية أو أسباب مما اصطلح أو تعارف عليه الناس اللهم إلا سبب ظاهري واحد وهو نزول هذا الطفل اليتيم ضيفًا عليهم...



وهذا يجعلنا نعيد النظر مرتين فيما تعانيه البشرية من أزمات اقتصادية، ونقول لهم: إن الله قادر على أن يسوق لكم الخير سوقًا من خزائن لا ينقصها عطاء ولو اجتمع الإنس والجن أولهم وآخرهم وأعطى لكل سؤله مهما كان مطلبه إلا كما ينقص المخيط إذا وضع في البحر.. ومع اليقين بهذه الحقيقة إلا أننا نؤكد على أمرين:

الأول: ضرورة الأخذ بالأسباب المادية مقرونة بالأخذ بالأسباب الإيمانية وهذا ما يتأكد بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الأعراف).



ووصية نوح- عليه السلام- لقومه تبقى من نواميس الكون التي لا تتخلف مع كر السنين وتعاقب الأجيال حيث يقول لقومه ولمن جاءوا من بعدهم: ﴿َقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12)﴾ (نوح).



وتأمل وصية نبي الله هود عليه السلام لقومه: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ ﴾ (هود: من الآية 52).



الأمر الآخر: حين تعجزنا الأسباب المادية، وتضيق بنا السبل، وتشتد بنا الأزمة لا نيأس من رحمة الله: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ (87)﴾ (يوسف) ولنعلم علم اليقين أن الأسباب التي أعجزتنا لا تعجز رب الأسباب الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.



ولنا في قصة مريم وزكريا عليهما السلام عبرة... ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)﴾ (آل عمران).



فلما رأى خرق الأسباب، توجه إلى الله بهذا الدعاء: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38) ﴾ (آل عمران).



هذا الدعاء مع أنه قد بلغ من الكبر عتيًا، وامرأته عاقر، ولكن أنى يكون الكبر أو العقم حائلاً دون تحقيق مراد الله، ومع أنه دعا ربه، لكنه تعجب حين بشر به: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتْ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنْ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9)﴾ (مريم).



بل إن المسلم ليزداد يقينه أنه مع اشتداد الظلمة ينبلج الفجر، ومع اشتداد العسر والكرب يكون اليسر والفرج: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) ﴾ (الشرح).



3- البركة ورحمة الله بالصالحين:

وسط الجدب الذي قد ينزل ببعض البلاد أو العباد، قد يختص الله أحدًا من خلقه بالخير والبركة فيسوقه إليه دونهم، ونلمح ذلك من أن أغنام السيدة حليمة، مع أنها كانت ترعى في نفس الأرض التي تسرح فيها سائر الأغنام إلا أنها كانت تعود شباعًا لبنًا دونهم.



إنها البركة التي كانوا يأملونها من الله بفطرتهم النقية، والتي وردت على لسان زوج السيدة حليمة مرتين: ".. عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة.." ".. تعلمي والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة...".



هذه البركة التي يتحدث عنها العربي بفطرته النقية، يكاد يسخر منها بعض المسلمين، ولا يصدقونك حين تحدثهم عن البركة من الله، والقليل المبارك فيه خير من الكثير المنزوع البركة.



إن المسلم الصادق الإيمان يحتاج لهذا الدرس حتى يدرك أنه باستقامته في نفسه وأهله على شرع الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم فإن الله يبارك له ويحفظه في نفسه وأهله وماله، ويسخر له نواميس الكون، وما قصة السحابة التي ساقها لتسقي أرض فلان باسمه ببعيدة عنا متى خلصت النوايا وصدقت الأعمال والله على كل شيء قدير.. فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "بينما رجل بفلاة من الأرض فسمع صوتًا في سحابة: اسق أرض فلان فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله فتتبع الماء فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته فقال له: يا عبد الله ما اسمك؟ قال: فلان للاسم الذي سمع في السحابة. فقال له: يا عبد الله لم تسألني عن اسمي فقال: إني سمعت صوتًا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان لاسمك فما تصنع فيها؟ قال: أما إذا قلت هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه وآكل أنا وعيالي ثلثًا، وأرد فيها ثلثه"(6).



وإذا كانت البركة حلت بالسيدة حليمة، حين حل بدارها رسول الله صلى الله عليه وسلم طفلاً رضيعًا، فإن بركة الرسول صلى الله عليه وسلم تحل بديار المسلمين حين ينزلون هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرعه في حياتهم منزلاً مباركًا، إنهم لو فعلوا ليرزقنهم الله رزقًا حسنًا، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا.



4- يهود يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم:

ومن خلال ما رواه شاعر الإسلام حسان بن ثابت ندرك أن اليهود كانوا على علم تام ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم وصفاته وقد حكى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146)﴾ (البقرة).



عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: "لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قال عمر بن الخطاب لعبد الله بن سلام: قد أنزل الله على نبيه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾... فكيف يا عبد الله بهذه المعرفة؟ فقال عبد الله بن سلام: يا عمر لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني إذا رأيته بين الصبيان، وأنا أشد معرفة بمحمد مني بابني.



قال عمر: كيف ذلك؟ قال: إنه رسول الله حق من الله وقد نعته الله في كتابنا ولا أدري ما تصنع النساء. فقال له عمر: وفقك الله يا ابن سلام"(7).



5- دليل حبنا للرسول صلى الله عليه وسلم في التأسي به:

ولا نترك القارئ الكريم بعد هذا الدرس حتى نبين له أن الحب الحقيقي لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكون إلا بالتأسي به في كل جوانب حياته: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا (21)﴾ (الأحزاب).



والمسلم الذي يريد أن ينال محبة الله عليه أن يعلم أنه لا طريق إليها إلا باتباع هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (آل عمران).



بأبي وأمي أنت يا رسول الله "ما أروع سيرتك، وما أعظم بركتك، إنها المدرسة الإلهية لكل قائد وكل زعيم، وكل رئيس، وكل حاكم، وكل سياسي، وكل معلم، وكل زوج، وكل أب، أنت المثل الإنساني الكامل لكل من أراد أن يقترب من الكمال في أروع صوره واتجاهاته ومظاهره فالحمد لله الذي أنعم بك علينا أولاً، وعلى الإنسانية ثانيًا.



وليس الخلود في أن يتحدث التاريخ عن الخالدين، ولكن في أن تسري أرواحهم في الأحياء المتعاقبين، وأن تعمل أخلاقهم عملها في كل عصر على مر التاريخ، ولم يجتمع ذلك لعظيم كما اجتمع لمحمد صلى الله عليه وسلم وقد كان نجاحه المعجز في أنه تمكن من تربية النماذج الإنسانية الكاملة، وهذه هي الأسوة التي نحض عليها كل مسلم، حتى يتمكن من أن يغير من مسار الواقع التي لا يقبل به أي مسلم ينتسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.



6- واجب المسلم ليحقق التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم:

إن من واجب المسلمين أن يدرسوا هذه السيرة المطهرة ويعكفوا على الصلة بالنبي الكريم عن طريق سيرته صلة علمية وروحية وعملية.



والصلة العلمية: تكون بالدراسة والتحليل.

والصلة الروحية: تكون بالشوق والحنين.

والصلة العملية: تكون بالاتباع والاقتداء والانقياد وحمل أنفسكم على مثل ما كان يحمل الناس عليه، وعلى الطريقة التي اتبعها أسلافكم.



وإن كان القرآن هو التعليم والأحكام النظرية، فإن السيرة هي التطبيق العملي، هي ثمار هذا التعليم مع صورة مجسمه، فما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يفعل أو يقول أو يصدر إلا عن وحي ربه.



فإن كان القرآن هو التعاليم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو الصورة الماثلة المنفذة للإرشادات الإلهية.



عن سعد بن هشام بن عامر قال: سألت أم المؤمنين السيدة عائشة- رضي الله عنها- عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت بلى. قالت: فإن خلق نبي الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن..(8).



قال الإمام النووي: معناه العمل به والوقوف عند حدوده والتأدب بآدابه والاعتبار بأمثاله وقصصه وتدبره وحسن تلاوته(9).



فمن أراد أن يعرف خلقه، فليقرأ القرآن، وليتعرف سيرته الشريفة حق المعرفة.



قال الله تبارك وتعالى: ﴿ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44)﴾ (النحل) أي لتكون الشارح لها بقولك وعملك.



فحين تقرؤون السيرة تتصلون بالإسلام من معينه ومنبعه الأصلي.



وإذن فواجبنا أن نتصل بالسيرة ونتدارسها دراسة علمية وروحية وعملية دراسة دقيقة، ففي ذلك غاية اللذة، لذة الأرواح، وحياة القلوب، وانشراح الصدور.



ولا يكفي أن نتعلمها ونقف عليها، ولكن لا بد من تنفيذها، فما كان يفعله وأصحابه فاحملوا أنفسكم عليه، وما تركه وتركوه، فاحملوا أنفسكم على تركه، فإن فعلتم ذلك تكونوا محمديين حقًّا وتابعين له حقًّا.






6- حاجة المسلمين للتأسي بحياة رسول صلى الله عليه وسلم شديدة وملحة:

ما أحوجنا إلى أن نقصد دائمًا إلى الفطنة والاعتبار بحياته الشريفة.



ثم ما أحوجنا إلى القدوة بما كان يأتي عليه السلام من أعمال تشد من أزر الحق، وترفع من منار الإسلام.



إن المسلمين اليوم في حاجة شديدة إلى أن يذكروا محمدًا رسول الله، الذي احتمل الآلام، وصابر المشقات في سبيل بناء الإسلام، وإقامة صرحه الشامخ حتى يكون لهم أن يقتدوا به اقتداء عمليًّا، يزلزل الأوهام في نفوسهم، والاستعمار في أوطانهم.



وإذا كان لهم أن يذكروا محمدًا الطفل الفقير اليتيم الذي لم يتلق في مدرسة علمًا، ولم يدرك من عطف أبويه حظًّا، فذلك لكي يستعينوا بهذه الذكرى على اليأس الذي ملأ النفوس، فهد العزائم وضلل العقول، من حيث يكون لهم أن يذكروا أن يتيمًا قد استطاع بالصبر والإيمان ليس غير أن ينهض أمته، وأن يدفع بها إلى العالم كله حاملة إليه النور، منبعثًا من كتاب الله وهدى نبيه؛ لكي يحمله على الهدى والفلاح.



وإذا كان عليه السلام قد ولد في ظروف كان العالم فيها قلقًا حائرًا، عاكفًا على اللذائذ المادية عكوفًا نسي معه جلال الروح، وغرق منه في جحيم المادة.



وإذا كانت النظم يومئذ لم يقو شيء منها على أن يمنح الناس شيئًا من الرضا، ولم يسبغ عليهم ظلاًّ من الطمأنينة، فالفقر المميت، والترف الناهك هما مظهر الحياة الاجتماعية آنئذ.



إذا كانت دعوة محمد عليه السلام وحدها هي التي استطاعت أن تكون دواء هذه الأدواء، فعلى المسلمين في كل مكان أن يتذكروا ذلك، وأن يزنوا الحال التي تحيط بهم بتلك التي تقدمت عليهم، وهم سيعلمون أنهم مقصرون في تبليغ الدعوة وأداء الأمانة، بل عليهم أن يذكروا أنهم إن استطاعوا أن يحتجوا بعجزهم عن حمله إلى الناس كما حمله أسلافهم، فليسوا بمستطيعين أن يحتجوا لعجزهم عن أن يحموا به أنفسهم من بغي الباغين وإذلال الطامعين في استنزاف خيراتهم وثرواتهم.



7- حديث النورسي عن الرسول صلى الله عليه وسلم:

يقول الشيخ سعيد النورسي رحمه الله:

إن محمدًا الهاشمي مع أنه أمي لم يقرأ ولم يكتب، ومع عدم قوته الظاهرية وعدم ميله إلى تحكم وسلطنة.. قد تشبث بقلبه- بوثوق واطمئنان في موقع في غاية الخطر وفي مقام مهم- بأمر عظيم، فغلب على الأفكار، وتحبب إلى الأرواح وتسلط على الطبائع وقلع من أعماق قلوبهم العادات والأخلاق الوحشية المألوفة الراسخة المستمرة الكثيرة، ثم غرس في موضعها في غاية الإحكام والقوة- كأنها اختلطت بلحمهم ودمهم- أخلاقًا عاليةً وعادات حسنة.. وقد بدل قساوة قلوب قوم خامدين في زوايا الوحشة بحسيات رقيقة وأظهر جوهر إنسانيتهم، ثم أخرجهم من زوايا النسيان ورقى بهم إلى أوج المدنية وصيرهم معلمي عالمهم، وأسس لهم دولة عظيمة في زمن قليل، فأصبحت كالشعلة الجوالة والنور النوار، بل كعصا موسى تبتلع سائر الدول وتمحوها، فأظهر صدقه ونبوته وتمسكه بالحق إلى كل من لم تعم بصيرته.



فإن لم تر صدقه ذاك فسوف يشطب اسمك من سجل الإنسان (10).



هذه هي العبرة التي يجدر بنا أن نتشبث بها دائمًا حينما يكون لنا أن نتحدث عن نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

مقالات ممكن أن تعجبك :



من مواضيعى في فضائيات الدعوة في مسارات الحياة
العبادة في الإسلام.. آفاقها وأهدافها والغاية منها
أثر الدعاء في صلاح الأبناء
قواعد الجزاء في كتاب الله
فتور الدعاة.. اعرف عدوك
مفهوم المواطنة في الدولة الإسلامية
شبهة حول قوله تعالى لا ينال عهدي الظالمين
غزوة أحد بطولة ودروس

اليتيم المبعوث رحمة للعالمين


أدوات الموضوع



الساعة معتمدة بتوقيت جرينتش +3 . الساعة الآن » 13:18.
Powered by vBulletin
.Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd

تابعنا على الفيس بوك جديد مواضيع المنتدى تابعنا على تويتر Google+‎
أضغط اعجبنى ليصلك جديدنا على الفيس بوك