فضائيات| مكتبة الدريم بوكس | مركز رفع الصور | فضائيات نيوز
تعليم الفوتوشوب





العودة   الإبداع الفضائي > >

المواضيع الإسلامية قسم يهتم بالدين الإسلامي على منهج أهل السنة والجماعة ويمنع إهانة بقية المذاهب

مع العصاة حتى النجاة

 
LinkBack أدوات الموضوع
  #1  
عضو نشيط

 

افتراضي مع العصاة حتى النجاة


من المعلوم أن العاصي ظالمٌ لنفسه بارتكابه للمعصية.. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللهَ يَجِدْ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا (110)﴾ (النساء).



وما دامت قيمة مقاومة الظلم والظالمين من القيم الإسلامية التي حرص الإسلام على زرعها في قلوب المسلمين؛ فإن مقاومة الظلم والظالمين فيما يتعلق بالعصاة من أمة محمد- صلى الله عليه وسلم- هي في الأخذ بأيديهم إلى برِّ الأمان، وهو ما نحن بصدده في هذه السلسلة المنهجية في كيفية التعامل مع أصحاب المعاصي والذنوب.



السبيل الأول: تأليف القلوب:

ليكن قلبك وعاء حب يسع العصاة ويحتويهم، ويأخذ بأيديهم إلى شاطئ النجاة.. لماذا؟!
1- لأن رسالة الإسلام رسالة رحمة، وأسوتك في ذلك رسولك صلى الله عليه وسلم ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)َ﴾ (الأنبياء).



2- لأن طبيعة النفس البشرية أن تحبَّ مَن أحسن إليها، وأن تبغض من أساء إليها.



3- لأن النفس البشرية ليست حجرًا صلدًا، وليست كذلك ملكًا عابدًا؛ ولكنها بين هذا وذاك؛ ففيها الخير والشر.. ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)﴾ (الشمس).



4- ولأنك بتأليفك لقلب العاصي تُعين نفسه على مقاومة الشر الكامن فيها؛ فتنهض النفس من عثرتها بالحب واللطف، بالرحمة والصبر.



ولا تجعلن همك هو كسب المواقف؛ ولكن كسب القلوب.



وبكسبك للقلوب يمكنك أن تكسب المواقف، وتأخذ بأيدي العصاة إلى طريق الله رب العالمين.
واعلم أن المعصية إنما تقع بسبب قساوة القلوب.. وأن المعصية أيضًا تؤدي إلى تلك القسوة في القلوب.



فضع نصب عينيك دائمًا أن العاصي من ورائه شيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وهو الذي استغلَّ ضعف النفس، وقسوة القلب، وطول الأمد، وتغلُّب الشهوة، وفورة الغريزة، فانتهى بالعاصي إلى ما هو فيه، فأعداؤك كُثر إذن، والحكيم مَن تلطف وتحايل على هذه النفس، بالحب تارةً، وباللين تارةً، وبالحكمة دومًا.



قضيتك أيها الداعية المصلح ليست كشف عورات العصاة وتتبع سوءاتهم؛ ولكن قضيتك إصلاح قلوبهم لتنصلح بعد ذلك جوارحهم.. قال صلى الله عليه وسلم: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب" (من حديث ابن مسعود عند الشيخين).



وسائل تأليف القلوب

أولاً: الكلمة الطيبة:

﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (البقرة: من الآية 83) فبها تُفتح القلوب والآذان، وبها تتحرك الجوارح في اتجاه الخير والحق، فإذا كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: "زينوا القرآن بأصواتكم" لكي يتشوق السامع وينجذب إليه فيؤثر فيه، فما بالك بكلام البشر" كلام الداعية"؟! ألا يحتاج إلى أن يزين ويزين؟!.. ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24)﴾ (إبراهيم)، ذلك أن النصيحة مُرَّة، والنفس التي تعودت على المعصية لا شكَّ أنها تتضجر من النصح، وتتألم من الوعظ؛ لأنها تعودت على المعصية وتلذذت بها؛ ولذا كان حريًّا بك أن تتخذ من العبارات أرقها، وأن تجعل الرفق قنطرتك إلى العاصي فإن "الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يُعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه" (رواه مسلم)، وحتى مع شارب الخمر تلزمك الكلمة الطيبة فعن أبي هريرة عند البخاري: "أُتي النبي- صلى الله عليه وسلم- برجلٍ قد شرب خمرًا، فقال: اضربوه، فقال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله، قال: لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان".



فروقات مهمة

أ- فرق بين الكلمة الطيبة وبين المداهنة:

لا مداهنة.. اجعل هذا عنوانك أيها الداعية؛ الآمر بالمعروف، الناهي عن المنكر، المتحري للكلمة الطيبة اللينة الرفيقة.



فالمداهنة: هي نوعٌ من النفاق، ونوعٌ من المجاملة المحرمة والمديح الكاذب، وتحسين الباطل، وتغيير الحقيقة، وهي نوعٌ من الركون إلى العادات والتقاليد؛ بل والاعتقادات التي تبطل الحق وتظهر الباطل.



إن الداعيةَ الحقَّ لا ينزلق إلى الكذب، ولا التزلف للناس، ولا مجاراتهم في الباطل؛ وبخاصة إذا كانوا من الكبراء ومن عِلْية القوم.. ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9)﴾ (القلم).



وقد أخرج البخاري عن ابن عمر: "أن ناسًا قالوا له: إنَّا ندخل على سلاطيننا فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم قال ابن عمر: كنا نعد هذا نفاقًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم".



ولكن يمكنك أن تستعمل المداراة مع العصاة؛ للوصول إلى قلوبهم المريضة.. والمداراة: هي التلطف مع العاصي، وإظهار الود له دون إخفاء حق، أو تحسين باطل، أو تغير لحقيقة شرعية؛ لا سيما إذا كان هذا العاصي الذي يُدارَى ممن يُخشى منه ويُتقى شره؛ فتكون مداراة مشروعة لمصلحة الدعوة والداعية.



واسمع إلى ما يرويه البخاري عن أم المؤمنين عائشة- رضي الله عنها- أن رجلاً استأذن على النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: "ائذنوا له، بئس أخو العشيرة"، فلما دخل ألان له الكلام، فقلت: يا رسول الله قلت ما قلت ثم ألنت له في القول، فقال- صلى الله عليه وسلم-: "أي عائشة، إن من شرِّ الناسِ منزلةً عند الله مَن تركه الناس اتقاءَ فحشه"، وروى البخاري أيضًا أن أبا الدرداء كان يقول: "إنا لنكتشر "نبتسم" في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم".



ب- الفرق بين الصراحةِ في الحق والخشونة في الأسلوب:

هناك خلطٌ عند الملتزمين ما بين صراحتهم في الحقِّ، وخشونتهم في اللفظ؛ فإنه لا تلازم مطلقًا بينهما، وحكمة الداعية تجعله يوصل الحقيقة إلى العاصي بألين طريق وأرق عبارة دون أي تفريط في المضمون؛ لذا قالوا "مَن أمر بالمعروف فليكن أمره بالمعروف".



وقال الإمام أبو حامد الغزالي في إحياء علوم الدين في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: "لا يأمر بالمعروف ولا ينهي عن المنكر؛ إلا رفيق فيما يأمر به، رفيق فيما ينهى عنه، حليم فيما يأمر به، حليم فيما ينهى عنه، فقيه فيما يأمر به، فقيه فيما ينهي عنه".



ومن أجل هذا قال تعالى لموسى وهارون- عليهما السلام- وقد أرسلهما إلى فرعون؛ وهو أشر الناس-: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)﴾ (طه)، وفي سورة النازعات أوصاه ربه أن يقول لفرعون ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19)﴾، وقد نفَّذ موسى- عليه السلام- الوصيةَ بكل دقة رغم استعلاء فرعون وتهديده.



ومن أجل هذا قال الله تعالى لنبيه ومصطفاه- صلى الله عليه وسلم- وهو يؤكد عدم الفظاظة التي هي خشونة القول: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: من الآية 159).



وفي النهاية اعلم أن كلمتك الطيبة للعاصي حقيقٌ بها؛ متى صدقت نيتك، وأخلصت لربك؛ أن تأخذ بيده إلى برِّ النجاة ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (فاطر: من الآية10).



واعلم أن الله لا يحب الفحش ولا التفحش، وأنه بالرغم من أن الله تعالى يقول: ﴿لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ﴾ (النساء: من الآية 148)، فإن الدعاة يعلمون ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ (43)﴾ (الشورى)، فكن كالشجر يُرمى بالحجر فيلقي بالثمر.. يرمونك بالتهكم والسخرية والاستهزاء والتنكيل.. وأنت ترميهم بالرفق، واللين، والصبر على الإيذاء.



ثانيًا: إشعارك للعاصي أنك حريص عليه تحب له الخير:

استشعر دائمًا كلام نبيك- صلى الله عليه وسلم-: "فأنا آخذ بحجزكم، وأنتم تلقون بأنفسكم في النار".. هذه مهمتك الرئيسية.. أن تُنقذ الناس من النار.. وحزنك الكبير هو مِن تَفَلُّت الناس وتَقَحُّمهم في النار... وهكذا كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يعتصر قلبه الشريف وهو يرى الكافرين يركضون ويتسابقون إلى النار بينما الجنة أقرب إليهم من شراك نعالهم إن هم أطاعوا الله وأطاعوا الرسول- صلى الله عليه وسلم- فما بالك بالساهين واللاهين والعاصين من المسلمين؟! ألا تُشفق عليهم، وتكون أشد حرصًا عليهم، وتتمنى لهم الخير الذي أنعم الله به عليك؟.. ألا ترى كيف وصف ربنا حال نبينا- صلى الله عليه وسلم- وهو يتحسر على الناس ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ (فاطر: من الآية 8)، ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6)﴾ (الكهف).



ويوم أن عاد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- غلامًا يهوديًا في مرض موته وقال له: ألم يأن لك أن تسلم يا غلام، ونظر الغلام إلى أبيه فقال له: أطع أبا القاسم يا غلام، فشهد الغلام الشهادتين، ثم مات من توه، فخرج من عنده رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقد تهلل وجهه رغم موت الغلام، وهو يقول: "الحمد لله الذي أنقذ بي اليوم نفسًا من النار"، صلى الله وسلم عليك يا سيدي يا رسول الله، فكن هكذا لتكون من أتباعه بحق.



ثالثًا: ستر العاصي غير المجاهر:

الإسلام دين ستر، وليس دين فضيحة، والمجتمع المسلم مجتمع مستور لا مجالَ فيه للمجاهرة بالمعصية، ومن صفات الله أنه ستِّير، يستر الذنوب والعيوب، فتعلم أيها الداعية ألا تفضح العاصي؛ لأنك بستره تعينه على التوبة، وتفتح له باب أمل في الرجوع؛ وذلك لأن أعداءك في هذه المعركة هما نفس العاصي الأمارة بالسوء، ومن ورائها شيطان سوَّل لها المعصية، فلا تكن عونًا للشيطان على هذه النفس، ألا ترى أن فضح العاصي قد يؤدي إلى أن تأخذه العزة بالإثم؛ فيكابر، ويستمرئ ما هو فيه من الحرام يأسًا وقنوطًا بعد الفضيحة والتشهير؟.



ويكفيك أن يسترك الله يوم القيامة، ففي حديث ابن عمر عند الشيخين: "ومَن سَتَرَ مسلمًا ستره الله يوم القيامة"، ويكفيك أيضًا أن يتحقق فيك قوله- صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي هريرة عند مسلم: ".. ومَن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة..".



ثم أنصحك نصيحة غالية: عامل الناس بمثل ما تحب أن يعاملك الله تعالى به يوم القيامة؛ فإن كنت تريد الستر يوم الحساب؛ استر على عبادِ الله من العصاة، فذلك أدعى لتأليف قلوبهم، وأرجى في رجوعهم عمَّا هم فيه من المعاصي.



ألم تسمع إلى حديث النجوى من حديث ابن عمر المتفق عليه "سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: "يُدنَّى المؤمنُ من ربه يوم القيامة حتى يضع كنفه عليه فيقرره بذنوبه، فيقول: أتعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: رب أعرف، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم فيعطى صحيفة حسناته". (كنفه: ستره ورحمته).






وتذكر قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ (النور: من الآية 19).



لذلك ما أفقه عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- وهو يعترف بخطئه حين شعر بأنه يتتبع عورات الآخرين.. أخرج عبد الرازق بن حميد والخرائطي عن المسور بن مخرمة عن عبد الرحمن بن عوف، أنه حرس مع عمر بن الخطاب ليلة المدينة؛ فبينما هم يمشون إذ رأوا سراجًا متقدًا في بيت، فانطلقوا يؤمونه، فلما دنوا منه إذا باب مجاف "مغلق" على قوم لهم فيه أصوات عالية ولغط، فقال عمر؛ وأخذ بيد عبد الرحمن بن عوف: أتدري بيت مَن هذا؟ قال: هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف وهم الآن شُرب "أي يشربون الخمر جماعةً" فماذا ترى؟ قال عمر: أرى أن قد أتينا ما نهى الله عنه قال الله تعالى ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ (الحجرات: من الآية 12) فقد تجسسنا، فانصرف عنهم وتركهم.



- لماذا تفضح العاصي وتُشهِّر به؟ احذر أن يكون الأمر زهوًا بنفسك لطاعتك ومعصية الآخرين، فتذكر قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾ (النساء: من الآ94)، وتذكر حالك قبل الهداية ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى (7)﴾ (الضحى).



فأنت تسيء إلى نفسك وإلى دعوتك عندما تنظر إلى العصاة نظرةً دونيهً أو نظرةَ استعلاء عجبًا بنفسك، عياذًا بالله.



فاعلم أن التعييرَ بالذنوب يجعلك أنت عُرضةً لذلك قبل موتك، وضع نصب عينيك قول رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من حديث بن مسعود عند الشيخين: "وإنَّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها"، و"إنما الأعمال بالخواتيم".



فكم من الدعاة يجهد نفسه، ويضيع عمره في تتبع سوءات العصاة من المسلمين في محاولة مستمرة لاحصاء أعمالهم عليهم، وفي الوقت الذي يعفو فيه الخالق- جلَّ وعلا- عن عباده ويسترهم يأبى المخلوق الضعيف إلا التشهير والتدمير، وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6)﴾ (الرعد) فقدم المغفرةَ على العقاب؛ استثارةً لهمة العاصي ليتوب.. ﴿قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)﴾ (الزمر).



وكل ما سبق من الستر، وعدم التشهير، وعدم تتبع العورات خاص بذلك العاصي الذي يستتر بمعصيته؛ فذلك أدعى إلى رجوعه وتوبته، وأقوى أثرًا في عدم إعانة الشيطان عليه.



ولكن المتهتك الذي لا يرعى حرمة المسلمين وشعورهم، المتحدي بأفعاله قيم المجتمع الحاثة على الفضيلة، الذي يقدم القدوة السيئة للشباب، الذي يزين المعصية في أعين ضعاف النفوس؛ مثل هذا لا يُستر، ولا يعامل بمثل ما قلنا آنفًا؛ ولكن يتم توبيخه وتقريعه على رؤوس الأشهاد؛ لأنه لم يستر نفسه ابتداءً؛ جرأةً منه على حدود الله، وعلى حق المجتمع الإسلامي، ويكفي قوله- صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي هريرة عند الشيخين: "كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا،ً ثم يصبح؛ وقد ستره الله عليه؛ فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله" (متفق عليه).



رابعًا: الإسرار بالموعظة وعدم مواجهة بعض العصاة بالخطأ اكتفاءً بالبيان العام والتعريض، جُبلت النفوس على حب مَن أحسن إليها وبغض مَن أساء إليها، وحيث إن النصيحة مُرَّة كما قلنا، وقد تصبح فضيحة إذا لم تؤدَّ على وجهها؛ فإن واجبك تجاه العاصي أن تُسِر إليه بالنصيحة ما أمكن ذلك؛ لأن كسب القلوب كما قلنا أهم من كسب المواقف.



فإسداء النصيحة على انفراد أوقع في النفس وأحوط من دخول الشيطان إليه؛ فلا بد لك من تخيُّر الكلمة المناسبة الطيبة في الوقت المناسب لها، وفي المكان المناسب أيضًا، وهذا من توفيق الله تعالى لك أيها الآمر بالمعروف، الناهي عن المنكر، فليس المقصود أبدًا هو كشف المخبوء أو الانتقام أو التنكيل بالعصاة أبدًا؛ ولكن إصلاح نفوسهم، والأخذ بأيديهم هو غاية الداعية المخلص الحكيم.



وسنة النبي- صلى الله عليه وسلم- تزخر بهذه العبارة "ما بال أقوام يقولون كذا ويفعلون كذا"



1- فعن أنس بن مالك قال: قال النبي- صلى الله عليه وسلم- : "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم فاشتد قوله في ذلك حتى قال "لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم" (رواه البخاري).



2- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه- صلى الله عليه وسلم- رأى نخامة في قبلة المسجد، فأقبل على الناس فقال: "ما بال أحدكم يقوم مستقبلاً ربه فيتنخع أمامه؟ أيحب أحدكم أن يستقبل فيُتنخع في وجهه؟ فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره تحت قدميه فإن لم يجد فليتفل هكذا" فتفل في ثوبه، ثم مسح بعضه على بعض" (رواه مسلم).



3- وروى النسائي في سننه عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه صلى صلاة الصبح فقرأ الروم فالتبس عليه فلما صلى قال: "ما بال أقوام يصلون معنا لا يحسنون الطهور فإنما يلبس علينا القرآن أولئك" وغير هذا كثير.



فوائد عدم المكاشفة والمواجهة:

1- تجنُّب رد الفعل السلبي للعاصي، وإبعاده عن تزيين الشيطان له بالانتقام الشخصي والانتصار للنفس.

2- هذه الطريقة أكثر قبولاً، ووقعها على النفس أكثر تأثيرًا.

3- هذه الطريقة أقرب للستر على العاصي بين الناس.

4- تزداد محبة العاصي للناصح وتعلو منزلة الناصح عند العصاة، وهذا أدعى لاستجابتهم له.



وكما قلنا في ستر العاصي.. انتبه إلى أن أسلوب التعريض بالعاصي دون فضحه وإحراجه إنما يكون بالمستور المتحرر من معصيته؛ ولكن المجاهر المتحدي قد يكون تقريعه، وتوبيخه، وفضح أفعاله المعلنة أقرب للصواب خصوصًا عندما نبتعد عن أسلوب الاستفزاز والإثارة.



وحق للإمام البخاري- رضي الله عنه- أن يُقَعِّد قاعدة "الإسرار بالنصيحة أولى من الإعلان، وقد يتعين الإسرار إذا جر الإعلان إلى مفسدة".



وفي النهاية تذكر قوله- صلى الله عليه وسلم-: "لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه" (رواه أحمد).



تحذير بالغ الأهمية:

وأنت تأخذ بيد العصاة إلى التوبة أُحذرك ثم أحذرك أن تتألى على ربك، وتحكم بحرمان مسلم من مغفرةِ ربه، فإن فعلتَ فاعلم أن حالك أصبح أسوأ من حال العاصي وذنبك أكبر من ذنبه، وتيقن أن ذلك لم يكن ليكون لولا أن العجب قد تطرَّق إلى قلبك، وأنك زكيت نفسك فنَأَتْ بك بعيدًا عن طريق الله رب العالمين.



واسمع إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو يقول: "قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله- عز وجل-: من ذا الذي يتألى عليّ ألا أغفر لفلان، قد غفرت له وأحبطت عملك" (رواه مسلم).



وكل معصية عيَّرت بها مسلمًا؛ فاعلم أنك لن تموتَ حتى تعملها. روي الترمذي في جامعه عن النبي- صلى الله عليه وسلم-: "مَن عيَّر أخاه بذنبٍ لم يمت حتى يعمله"، وفي الترمذي مرفوعًا أيضًا: "لا تظهر الشماتة لأخيك؛ فيرحمه الله ويبتليك"، فكأن التعيير والشماتة هما ذنب أعظم إثمًا من ذنب العاصي.



وتذكر أخي الداعية هذه الأقوال المأثورة:

- "إنك إن تبيت عاصيًا ثم تُصبح نادمًا؛ خيرٌ من أن تبيتَ قائمًا وتُصبح معجبًا، وإنك إن تضحك وأنت معترفٌ خير من أن تبكي وأنت مدل".

- "أنين المذنبين أحب إلى الله من زجل المسبحين المدلين بعبادتهم".

- "رب معصيةٍ أورثت في القلب ذلاً وانكسارًا خير من طاعة أورثت في القلب عُجبًا واستكبارًا".




من مواضيعى في فضائيات ويذبحون أبناءكم
العدل.. قيمة قرآنية
ثوابـت الإيمـان بعـد رمضـان
الأضحى.. والتضحية
البخل أدوأ الداء
قوة الصلة بالله طريق إلى النجاة
معجزة عيسى في إحياء الموتى
صناعة الدعوة

مع العصاة حتى النجاة


أدوات الموضوع



الساعة معتمدة بتوقيت جرينتش +3 . الساعة الآن » 07:38.
Powered by vBulletin
.Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd

تابعنا على الفيس بوك جديد مواضيع المنتدى تابعنا على تويتر Google+‎
أضغط اعجبنى ليصلك جديدنا على الفيس بوك